الملازم جوامير، هكذا نريده ان يعودالى مندلي !
مع اعجابي الشديد بفكرة النحات
المبدع كاظم الحاج من خانقين ، باقامة تمثال للشهيد جوامير سايه مير ، واعلانه بان
التمثال سيوضع في احدى ساحات مدينته مندلي ، الا انني اصبت بالاحباط عندما رايت
صورة التمثال في الصفحة الاخيرة من جريدة الاتحاد البغدادية !
هل هذا الصنم الساكت ، والضابط
البائس يمثل ذلك النسر الكوردستاني الذي كان يضج بالحركة والثورة والعنفوان ؟!
تمثال جوامير يذكرنا بتمثال اخر في
السليمانية يمثل الشاعر محمد مهدي الجواهري ، والذي يعتبر بحق اسوا تكريم لشاعر
العرب الاكبر وصديق شعبنا الكوردي ،
والذي خصنا بقصائد رائعة سنتذكرها جيلا بعد جيل !!
ويبدو ان النحات الحاج ، قد استوحى
فكرة التمثال من صورة شخصية للشهيد جوامير ، ارتدى فيها لاول واخر مرة الزي
العسكري في حفلة التخرج من الكلية العسكرية . اذ انه سرعان ما التحق بالثورة في
كوردستان ، وارتدى زي الكوردايه تي ، وبقي كذلك حتى يوم شهادته . وبرايي كان على
الفنان الحاج ان يقرا ، ويستمع الى اصدقاء وعائلة ورفاق جواميرفي السلاح قبل ان
ينجز تمثاله . ان من يطلع عن كثب لمسيرة هذا السبع ، الذي تحول الى اسطورة حية ،
يصاب بالدوار ، فاية محطة يختار لكي يحكيها ، وعن ماذا يحكي ، وكيف سيعطيه حقه
بالاشادة والتكريم !
هل نحكي قيادته لاتحاد طلبة
كوردستان في مندلي ، والاستيلاء على مبنى القائمقامية ، وحصر البعثيين في حضيرة
حيوانات ،ومنهم المجرم مزبان سيد خضر ، الذي انسلخ من قوميته ، واصبح الاداة
الاكثر اجراما في تعريب المدينة ، وطرد ساكنيها . وعندما هرع نعيم حداد الى مندلي لنجدة البعثيين ورأى ذلك الفتى
الاشقرذي العينين الزرقاويين المليئين بالتحدي والجبروت ، قال له بالحرف الواحد
: انت ايها الشاب ، الله وحده يعرف
ماذا ستفعل عندما تكبر!
ام نحكي عن التزامه وخلقه الكريم ،
ام ثوريته وتفانيه في سبيل قضية شعبه ، ام عن شجاعته وجراته وتصديه لاعتى
الدكتاتوريات ، وصموده الحديدي في اروقة الامن العامة ، بل وفراره من هذا المكان
الرهيب ، في الوقت الذي لم تستطع حتى العصافير من التحليق في سماء تلك المنطقة
المرعبة . بحيث ان المجرم فاضل البراك قال مرة ، بانه لم يرفي حياته سجينا اكثر
صمودا من الملازم جواميرفي وجه سجانيه ، حتى ان جلاوزة الامن العامة عندما كانوا
يحاولون نزع الاعترافات من سجين كوردي يابى الخضوع لهم ، كانوا يقولون له ، هل
تريد ان تكون جواميرا اخر لنا !
من جانبي اشكر النحات الحاج ، لانه
على الاقل اعطانا الفرصة لنتحدث ولو بصورة موجزة عن خصال وسجايا الشهيد ، خصوصا
وان الجيل الجديد من ابناء شعبنا الذين ينعمون اليوم بالمكتسبات الوطنية التي
سطرها لهم اولائك الابطال من امثال جوامير ، عليهم ان يتعرفوا على من صنع لهم هذا
اليوم بتضحياتهم الجسام ، وتحملهم للصعاب ، وحتى مواجهة الموت دون ان يغمض لهم جفن
!
كان بيت خالو سايه مير ينتصب وحيدا
، ملاصقا بجبل حمرين ، في اطراف قرية ( به تكه وكه ر) ، وسهل سرتنك على الحدود .
وكان على الطفل جوامير ان يحمي القطيع ليلا ببندقيته الكسرية ، بينما كان والده
يعبر الحدود للقيام باعماله التجارية ، وزيارة بعض الاقرباء . كان جواميرالصغيريدرس
في مدرسة الفجرالجديد الابتدائية ، التي كانت تبعد عن بيته حوالي خمسة عشر
كيلومترا . اي انه كان يسيركل يوم ضعف هذه المسافة في الذهاب والعودة . وعندما
اكمل الدراسة الابتدائية كان عليه ان يسيرعشرة كيلومترات اخرى ليصل الى مركز
القضاء .
كبر جوامير، واصبح جميلا كشجرة
الحناء ، قويا كالسنديان ، رائقا ونظيفا كانداف الثلج ، وكوردستانيا حتى العظم .
ويكتب لعائلة جوامير انها كانت اول من ادخلت مدرسة الكوردايتي الى مندلي . فقد كان
ستار سعد الله ابن عم جوامير ، يدرس الحقوق في بغداد ، وكان قد انتمى الى اتحاد
طلبة كوردستان ، ونقل افكاره الى مندلي ، وابن عمه المتعطش الى الكوردايه تي .
وكانوا ثلاثة شبان ، ستار وجوامير
وصبحي بيرام ، ومن ثم الرعيل الاول من اعضاء الحزب الديمقراطي الكوردستاني في
مندلي من عشيرة القه ره لوس ، وعلى راسهم الشخصية الوطنية الحاج حميد شفي . اما في
مركز القضاء فقد ظهر مجموعة من الاساتذة المعلمين
اذكر منهم على سبيل المثال ،
الاستاذ بندر ، مصطفى محمد احمد ، حسين فيض الله ، والاستاذ جلال ، والمرحوم كاكي
نورعلي واولاده . وعندما اعلن بيان الحادي عشر من اذار عام 1970 ، تحولت مندلي الى
مركز مهم للكورد ، ومصنع للكوادر المثقفة التي ظهرت قابلياتها
فيما بعد ، بحيث عندما عاودت
السلطة هجومها على كوردستان ، التحق 400 من الكوادر الحزبية بالثورة ، حتى ان
احدهم كان ضريرا !
التحق جوامير بالكلية العسكرية ،
وعندما تخرج التحق بالثورة ، وقاتل في جبهة به مو . هنا ظهرت قابليات جوامير
القتالية والتنظيمية ، واصبح مثارا لاعجاب امريه ، والمقاتلين الذين كانوا تحت
امرته . وذاع صيته ليس فقط في جبهات القتال ، بل في الطرف الاخر ، بين القوات
الحكومية التي اصبح اسم جوامير يثيرالرعب بينهم ، بسبب عملياته الجريئة ، ودقة
اصاباته بالمدفعية ، حتى اشتهر بانه يصيب حتى القدور داخل المعسكرات ، وكان عندما يامر
باطلاق قذيفة مدفعية ، كان البيشمه ركه يصرخون ... بالجدر !
وعنما عاد الى العراق بعد اتفاقية
الجزائر حيث لم يرض ان يبقى في ايران بعد خيانة الاخيرة للكورد ،استقبله قائد
المنطقة ، ونظر اليه مليا وهو يردد ، اذن انت الملازم جوامير !!
التقيت به بصورة عابرة في شارع
الكفاح في بغداد . كان كالنسر الجريح ،ولكنه كان يلعق كل جراح الكورد ، وكان البعض
منا يعرف انه الذي بات يدوخ
الدكتاتورية ، ويؤرق بال المرتزقة ، خصوصا بعد عملية قتل عثمان فائق . كان جوامير
قد اخفى عدد لا باس به من الاسلحة في منطقة الميدان ، واستطاع ان ينقل تلك الاسلحة
الى مكان امن بعد ان ذهب الى المنطقة متخفيا بهيئة تاجر حيوانات ، ومن ثم شكل اول
مفرزة جديدة ، وابتدات ثورة شعب كوردستان من جديد . كانت اتفاقية الجزائر، وانهيار
الثورة قد ادت الى صدمة شديدة بين اوصات شعبنا ، وارادت السلطة ان تستفيد الى اقصى
حد من هذا الواقع الجديد . لذلك كان شعبنا بحاجة الى رد اكبربمستوى الحدث ، رد
يزلزل اركان الدكتاتورية ، والمتعاونين معها . لذلك تاسست منظمة النسر الاحمر
بقيادة الملازم جواميرلاعادة الثقة لجماهير شعبنا ، وايضا التصدي لسياسات النظام .
وكان من بين اعضاء هذه المنظمة مجموعة من البيشمه ركه ، منهم عادل وسلام وسلمان
وشيرو واخرون ، بالاضافة الى بعض الاخوان الذين لا يزالون على قيد الحياة ،
ويمكنهم التحدث عن تلك التجربة ، وخصوصا الاستاذ بندر ، والاخ عماد احمد وملا
بختيار الذي كان يوجه المجموعة من الجبل . وقد اطلعت على مقال للاستاذ نوشيروان
مصطفى في مجلة كومله ، التي كانت تصدر في الجبل ، سلط فيها الضؤ على شخصية الشهيد
جوامير ، وعمليات النسر الاحمر .
اعود الى فناننا الحاج ، واقول ،
ان رجلا بمستوى الشهيد جوامير يحتاج الى جدارية كي تستوعبه ، وليس تمثالا نصفيا
لضابط في القوات الخاصة . لقد ان
الاوان ان يعود جوامير الى مندلي ،
ولكنني لا اتصور بانه يقبل ان يعود بهذه الهيئة . اما نحن ابناء مندلي فنريد
جوامير كما عرفناه وسمعنا عنه . نريد رجل البيشمه ركه المنتصر ، والقائد الميداني
، وقاهر السجانين !